محمد النادي: الإمبراطوريات لا تسقط فجأة … بل تنهار حين تفقد وعيها بذاتها

محمد النادي: الإمبراطوريات لا تسقط فجأة … بل تنهار حين تفقد وعيها بذاتها
كتبت . هبه محمد
قال خبير الجغرافيا السياسية محمد النادي أمين عام التعليم بحزب مصر 2000، إن سقوط الإمبراطوريات عبر التاريخ لم يكن يومًا نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة أو ضربة مفاجئة، بل جاء دائمًا ثمرة مسار طويل من العمى الاستراتيجي وسوء تقدير التحولات العميقة في موازين القوة.
وأوضح محمد النادي في تصريح لـه أن التاريخ لا يُسقط القوى العظمى وهي في ذروة ضعفها، بل يُسقطها وهي في ذروة ثقتها بنفسها”، مشيرًا إلى أن جميع الإمبراطوريات كانت تردد العبارة ذاتها قبيل أفولها: نحن ما زلنا أقوياء، ما زلنا نسيطر، والعالم ما زال بحاجة إلينا، معتبرًا أن هذه القناعة غالبًا ما تكون “الكذبة الأخيرة” قبل الانهيار.
وأكد أمين عام التعليم بحزب مصر 2000 محمد النادي، علي أن القاعدة الثابتة في قراءة التاريخ السياسي تقول إن الإمبراطوريات لا تُهزم أولًا بالسلاح الخارجي، بل تسقط عندما يفشل عقلها الداخلي في فهم التحول، حيث يتسلل الانهيار من شقوق الإدارة، واختلال الاقتصاد، وانفصال النخب عن المجتمع، وضياع الرسالة الجامعة التي تمنح القوة معناها وشرعيتها.
وفي قراءته للتجربة الرومانية، أوضح أن روما لم تسقط عسكريًا بقدر ما تآكلت إداريًا، نتيجة توسع جغرافي تجاوز قدرتها على الحكم، واعتمادها على جيوش مرتزقة بلا انتماء، وفرضها ضرائب خانقة لتمويل رفاه نخبة فاسدة، إلى جانب انفصال متزايد بين الحاكم والمحكوم.
وأضاف “النادي” أن الأخطر كان فقدان روما لسبب وجودها، حين تحولت من مشروع حضاري إلى سلطة بلا رؤية، مؤكدًا أن “البرابرة لم يسقطوا روما، بل دخلوا بيتًا كان قد فقد تماسكه من الداخل”.
وعن التجربة البريطانية، أشار إلى أن بريطانيا كانت أكثر دهاء ومرونة، لكنها أدركت متأخرة حدود قدرتها بعد الحرب العالمية الثانية، مع اقتصاد منهك وديون متراكمة ومستعمرات تحولت من مصدر ربح إلى عبء. وأضاف أن صعود الولايات المتحدة كقوة أحدث وأغنى وأقل استنزافًا فرض على لندن الاعتراف بأن الاستمرار في لعب دور الإمبراطورية يعني انتحارًا بطيئًا، فاختارت الانكفاء باعتباره الخيار الأقل كلفة.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، أكد علي أن لم تسقط بعد، لكنها تعاني من أعراض “الإنهاك الإمبراطوري”، موضحًا أن امتلاك أقوى جيش وأكبر اقتصاد لا يكفي وحده لضمان الاستمرار، لأن التاريخ لا يحاسب اللحظة بل الاتجاه.
ولفت إلى أن من أبرز هذه الأعراض التمدد العسكري المفرط، والتدخلات الخارجية المفتوحة، والكلفة الأمنية الهائلة، واقتصاد قائم على ديون تجاوزت 34 تريليون دولار، إلى جانب فجوة طبقية خانقة وانقسام سياسي واجتماعي وعرقي متصاعد.
وشدد على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تراجع القوة الصلبة، بل في تآكل الهيبة وتراجع الإجماع الداخلي حول سؤال الهوية والدور، قائلاً: “الإمبراطوريات لا تعيش بالقوة وحدها، بل بالهيبة والرسالة والمعنى المشترك الذي يبرر قيادتها للعالم”.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن التاريخ يكشف خيطًا مشتركًا في سقوط الإمبراطوريات، يتمثل في توسع يتجاوز القدرة، ونخبة منفصلة عن الواقع، واقتصاد مختل، ورسالة أخلاقية تتآكل، وثقة زائدة تؤخر الإصلاح. مضيفاً أن الانهيار لا يأتي كضربة قاضية، بل كسلسلة تنازلات صغيرة، حتى تستيقظ الإمبراطورية على عالم تغيّر دون أن تشعر”.
وختم بقوله: “الولايات المتحدة قد لا تنهار غدًا، لكن المسار يحمل إشارات تاريخية مألوفة، والفارق اليوم أن البديل العالمي لم يُحسم بعد، وهو ما يجعل المرحلة الحالية الأخطر. فالإمبراطوريات لا تموت بالرصاص، بل حين تعجز عن إعادة تعريف نفسها في عالم لم يعد يشبهها، والتاريخ لا يرحم من يتأخر في الفهم”.



